الشيخ محمد رضا الحكيمي

29

أذكياء الأطباء

الإنسان نفسه ، والخارجي هو الذي يستهوي فيه غيره من الأفراد أو الجماعات . ويمارس البراهمة من الهنود نوعا من الاستهواء الذاتي الواحد منهم نفسه إلى الزهد والتقشّف في الحياة فيخرج إلى مغارة بعيدة ويجلس القرفصاء عاريا ويردد جملا خاصة طول يومه مثل : ( يجب أن أزهد الحياة لأنها دنيئة ) فلا يثبت بعد بضعة أيام حتى يجد فكرة الزهد قد تملّكت جميع مشاعره وتحوّلت إلى عقيدة شديدة ، وبذا يصبح رجلا متقشّفا زاهدا في الحياة قلبا وقالبا . ويمكن لمن مارس أي عادة ضارّة أن يستهوي نفسه إلى إبطالها ، فالمدخن مثلا يمكنه ترك التدخين ونسيانه إذا ردّد في نفسه كل صباح ومساء بلهجة العزم والحزم جملة خاصة مثل : ( يجب أن أترك التدخين لأنه مضرّ بصحّتي ) ولا شك أنه إذا واظب على ذلك تتحوّل هذه الفكرة التي تتردد في النفس إلى عقيدة ثابتة ثم إلى عمل وينتهي الأمر بإبطال التدخين . وكثيرا ما كان الاستهواء وعلى الأخص الذاتي منه منبعا لأوهامنا وآلامنا الخيالية ، فالإنسان قد يكثر من التفكير في مستقبله وينظر إليه خلال مناظر أسود فيساوره الخوف ويسود عليه روح التشاؤم فلا يلبث أن يتحور هذا التفكير إلى عقيدة ثابتة بل إلى عمل وتصبح حياته سلسلة من الأحزان والهموم التي لا سبب لها ويعاوده الفشل في جميع أعماله وتنحط قواه الجسمية فيظن أن تنبؤاته قد صدقت ، والواقع أنه إنما هو الذي جعلها تصدق لأنه استهوى نفسه إلى تحقيقها . وقد تأيّدت هذه النظريّة النفسيّة بالتجارب والبراهين المحسوسة